يُعدُّ الشاعر الناقد الدكتور شربل داغر صاحب عطاء وافر على مستوى إبداعي وقرائي، وله بصمة مُشرّفة في ذاكرة الثقافة والفنون، وما بين اهتماماته الأكاديمية والفنية يتيح لنا فرصة مقاسمته مساحة من يومياته؛ لننطلق نحو فضاء مُشبع بالرؤى والتطلعات، وما أشفّ وأعذب الحوار مع عقليّة استيعابية، ولغةٍ مهذّبة، وروح ثريّة بالود والمحبة، فإلى نصّ الحوار..
• هذا الكيان الذي بُنِيَ عبر عقود، ما دور العائلة في تكوينه؟ ومن أخذ بيد شربل داغر ليصبح ما هو عليه اليوم؟
•• أقول، بدايةً، إن بوابة المدرسة كانت بعيدة عني، وعن حساباتي الطفولية، مع أنها كانت تبعد أقل من 200 متر عن البيت العائلي في بيروت. وأذكرُ أنني عدتُ إلى البيت قبل أمي في يوم مدرستي الأول، إذ هربتُ من المدرسة، واتخذتُ طريقاً موازية للشارع الذي كنا نسكن فيه.. إلا أن محاولة هربي في اليوم الثاني فشلتْ، وتمنعي عن التقيّد بتعليمات المدرسة باء بالفشل بدوره.. والدي مثل أمي كانا متشددين في إدخالي إلى المدرسة، بعد أختي التي تكبرني بسنة واحدة. أختي هي التي أمسكتْ بيدي، لا سيما في السنة الثانية من دراستنا، إذ تمَّ نقلنا إلى مدرسة أبعد من الأولى، وذات مستوى دراسي أفضل، حسبما قيل لنا. تكفلتْ أختي بتوجيه خطواتي الأولى في بيروت المتسعة أبعد من شارع الطفولة، مثلما رعت دروسي الأولى بالمتابعة والعناية. هذا ما فعله أحد إخوتي، المراهق، عندما تكفل بالذهاب ليلاً إلى أحد المحلات لشراء ممحاة خاصة بالحبر إذ أخطأتُ في جانب من عملية حسابية في أحد الفروض المدرسية..
هذا ما تنبهتُ إليه بعد وقت، إذ تحققتُ من أن عيوناً أخرى، غير عيون الوالدَين، كانت ترعى وتسهر على مثابرتي المدرسية. هذا، قبل أن أتحقق بعد سنوات وسنوات من أن الانتظام في المدرسة كان أقرب إلى وصية مسبقة من الأهل، وأنه الأفق الممكن للتقدم في العيش. هذا ما عشتُه في القرية مع أحد الرهبان، إذ تنبه، في كلامي معه، إلى أنني لا أحسن نطق الضاد، إذ كنتُ أتلفظها قريبة من حرف الدال، فكان أن أصلح نطقي.. هذا ما أتذكرُه، في نزولي صباح أكثر من أحد، إلى وسط بيروت البعيد عن بيت أهلي، لشراء كتب أدبية مستعملة كان بائعوها يرصفونها فوق رصيف سينما «روكسي»، لبيعها بأسعار زهيدة، فيما كنت لم أبلغ حينها الثانية عشرة من عمري.
كنتُ، في ما انتهيتُ إليه، قبل دراستي الثانوية ثم الجامعية، أندفع في مسار يتخطى خطواتي ليشملها مع غيري، بين نهاية الخمسينيات ثم الستينيات من القرن السابق، في مسارٍ مشرق وهانئ في الحياة اللبنانية.
العربية كانت نجمتي في هذا الطريق الممتد، من دون وجهة بعينها في فروعها. وهو ما انتهى إلى استكمال دراستي فيها، في الإجازة الجامعية في بيروت، ثم في شهادة الدكتوراه في باريس.
• ماذا عن ذكريات البئر الأولى، والعيش في قرية منضبطة الإيقاع، ومدينة يتداخل فيها الليل والنهار؟
•• الذكريات عدة، واستعدتُ بعضها في كتابين عن سيرتي الذاتية، ما لا حاجة إلى استعادتها في هذا الحوار. ما يمكنني قوله هو أنني عايشت في تلك السنوات البعيدة نمطين متباعدين، من دون أن يكونا منفصلين، في العيش والتطلع: الصعود إلى القرية، وتمضية العطلة الصيفية فيها، وتمضية باقي السنة في بيروت. إلا أن الصعود إلى القرية كان يعني، واقعاً، أكثر من عطلة، وأكثر من ثلاثة شهور، إذ كان يضعني في ما كان أقرب إلى فضاء مفتوح على اللعب، وعلى مكاشفة الحياة نفسها في أسرارها ومواعيدها البهيجة. كما كان يضعني في عائلتي المتسعة، إذ كانت تنتسب إلى القرية عينها من جهة الوالدَين؛ حضنٌ عاطفي، وتقليدي، في الوقت عينه. في تلك القرية الجبلية العالية، لم يكن لي غير الجبال المحيطة أفقاً لنظري، بخلاف العديد من القرى اللبنانية التي تُشرف من عليائها وشُرفاتها على بحر المتوسط. هذا ما عنى اكتفاء بالمهد الطفولي، وانشداداً غامضاً إلى الخفي والممكن.
أما الإقامة في بيروت، فكانت مختلفة للغاية، إذ عنت التوطن في شارع متعدد الأنساب إذ تتحدر من مذاهب ومناطق مختلفة ومتباعدة عن بعضها، وهو ما جذبني إليه، بحيث كتبت في كتاب سيرتي الذاتية الأولى: «الخروج من العائلة». كما كنت أتحقق حينها من اتساع بيروت وغموضها وآفاقها ما كان أبعد من حدود قريتي. لم تكن المدرسة بيتي الثاني وحسب، بل كنت أعتاد على الإقامة الشغوفة في بيوت أخرى، هي: شاشة التلفزيون، وشاشات السينما البراقة، منذ نهاية الخمسينيات، بل وجدت في عدد من كتب الشعر والرواية ما كان أقرب إلى السفر، وإلى السكنى في عالم الخيال والتخييل. هذا العيش المزدوج بين قريتي وطى حوب وبين بيروت، مدينتي، كان لكل واحد منهما التذاذاته الخاصة، وتعاكساته أيضاً، وهو ما عايشته بقوة أكبر عندما انتقلتُ للدرس والعيش في باريس (1976)، مدينة ولادتي الثانية، إذ تحققت فيها من أن المدينة، أو احتمال العيش فيها، ممكن بطريقة مختلفة.
• ما نواة الوعي التي أخذت بأجنحة الروح إلى القراءة والتعلق بالأدب والثقافة؟
•• هذا ما ورثتُه بصورة ضمنية من أهلي، ومحيط البلدة في تنورين من دون شك: أهلُ بلدتي جعلتهم الظروف، بعد قيام «دولة لبنان الكبير» في عام 1920، يتوجهون بنسب متعاظمة إلى بيروت والمدن القريبة منها طلباً للعمل والتعليم والإقامة. هذا ما قطع دورة سابقة، كانوا يعيشون فيها، ويأملون فيها، منذ قرون وقرون، كما بات لهم أفق آخر في التقدم ومأمول الحياة. لم يكن للتعليم قيمة معتبرة في الدورة السابقة، المتقادمة، إذ كان رب العائلة يفضل أن يعمل أولاده إلى جانبه في الزراعة أو الحِرف. كان قلة منهم يُقبلون على التعليم، ومنهم رجال الدين في مؤسساتهم الخاصة. وممّا زاد في قلة الإقبال على التعلم، هو افتقار هذه المناطق، ولا سيما في المرتفعات الجبلية، إلى مدارس ولو ابتدائية.
أما مع عائلتي من جهة الوالدَين، فقد عرفَ جدي لأبي، وجدي لأمي، نسبة من التعليم، وهو ما انتقل إلى والدِي، وحتى إلى والدتي. وهو ما سعيا إليه في تربيتنا، ولا سيما بعد نزولنا إلى المدن، ثم استقرارنا في بيروت.
• ما سرّ عشقك للغة العربية؟
•• أما لجهة العربية، والتعلق بها، فهو يعود، في جانب منه، إلى إرث سابق يتعدى عائلتي وقريتي، ويتمثّل في التوق إلى العلم الذي لم تُتَحْ ظروفه للعديد من القرى والنواحي في الحقبة العثمانية: كانت العربية، في تلك الحقبة، كما في سابقاتها، هي بوابة العلم والثقافة والترقي. وهذا ما طمح إليه الجيل السابق على جيلي، كما تحققتُ من ذلك في أحد كتبي.
أما لجهة سيرتي الخاصة، فهذا التعلق بالعربية بلغ عندي حدود الاختصاص، وحرَّكَ كذلك المأمولات في تطلعاتي، ولا سيما مع تأكدي مما تتيحه العربية في تاريخها كما في بنيتها الخاصة من اشتقاقات وتراكيب ومأمولات بالتالي. هذا ما تأكدتْ وجهته في سنوات دراسة الدكتوراه الأولى؛ حيث تعمقتْ معرفتي بالعربية في ضوء دراستي للسانيات عموماً، ولا سيما الحديثة منها. ولا أخفي سرّاً إذ أقول إنني كتبت بالفرنسية في تلك السنوات، ونشرتُ كتباً فيها، غير أنني ما لبثتُ أن انقطعتُ عن ذلك، ما خلا دراسات بحثية بالفرنسية في عقود تالية، وفي مؤتمرات وندوات علمية دولية. هذه العلاقة بالعربية بلغت الشغف في عقود تالية، فيما كنتُ أتعلم وأتحقق قبل ذلك من أن الإنسان قد يعرف لغات كثيرة، ويكتب بها، ويتقنها، إلا أنه يبقى -مهما تباعد أو تعدد- منشَدّاً إلى اللغة الأم، إلى «اللغة –الأمة»، كما وجدتُني أكتب عنها في محفوظاتي الخاصة في عام 1982. فكيف إذا وجدتُني أتحقق، في الدرس والفحص لبناها، أنها من اللغات الأقدم في العالم، وأنني أنتسب، بالكتابة فيها، إلى تاريخ ثقافي وأدبي يتعدى خمسة وعشرين قرناً! وكيف إذا كنت أتحقق كذلك من غنى معجمها، وطرقها «العجيبة» في التوليد، حتى إنني كتبتُ عنها أنها لغة احتمالية، مفتوحة على التجدد والإضافة! هذا يعني أن علاقتي بالعربية تعود إليها، إلى حواصلها، وإلى ممكناتها، في آنٍ. دعني أعترف بأنه خيار مصلحي، عقلاني، قبل أي دافع آخر: خيارٌ من يعرف ويتيقن من أن الكتابة بلغة استثمار خاص، ولو بقي وحيداً فيها، ولو لم يكن القراء بحجم من يعرفون هذه اللغة.
خياري الممتد بالعربية لم يكن قراراً خائباً، أو يائساً، أو جالباً لحسرة تالية، هو قراري السيد والمستقل، إذ وجدتني فيها مثلما لا أقوى على التواجد في غيرها، بما فيه في الوجود الخارجي. فكيف إذا وجدتني، لا سيما في كتابة الشعر بها، أعيش في كيانها، وأكون فيها على مقدار واسع من التخيل والاشتهاء.
• هل يدفعنا تراثنا العربي لأن نكون أدباء عوضاً عن أن نكون فلاسفةً أو علماء تجريبيين؟
•• الخيارات مفتوحة ومطروحة، وهي متعددة. هذا ما خبرته بنفسي، إذ وجدتني أكتب في ما يتعدى اختصاصي في العربية، ثم اختصاصي في فلسفة الفن وتاريخه. فمن يعد إلى لوائح كتبي، سيجد أنني كتبت: الشعر، والرواية، والسيرة الذاتية، وأجربتُ أعمالاً بحثية في: العربية، والشعر العربي الحديث، وبدايات الرواية العربية الحديثة، والفن الإسلامي، والفن العربي الحديث، والأدب الشعبي (أو «حكي العوام»، كما أسميه)، وبدايات المسرح الحديث وغيرها، فضلاً عن أن التاريخ كما الفلسفة تحكّمَا بالمنظور العام لهذه البحوث، وتحكمت المناهج الحديثة بطرق التحليل وسبله في هذه المباحث المختلفة؛ لهذا لا أجد الخيار المطروح في سؤالك يخصني أنا بالذات.
• متى نشرت نصّك الأوّل؟ وما ردود الفعل الخاصة والعامة على المنشور؟
•• كان ذلك في نهايات صيف سنة 1971، في نهاية سنتي الجامعية الأولى، بعد أن أرسلتُ بالبريد العادي قصيدة بعنوان: «وأينعتْ أزهارنا على القحط» إلى الشاعر أنسي الحاج، وكان رئيس تحرير «الملحق» الأدبي لجريدة «النهار» اللبنانية. فإذا بي أجد أنه نشرها إلى جانب النصوص الأدبية، وليس في «بريد القراء». ثم دعاني الشاعر أدونيس، في سنة تالية، مع عدد من شعراء- طلاب جامعيين في كليتي، إلى نشر قصيدة في مجلة «مواقف» الفصلية التي كان قد أصدرها، ويشرف على تحريرها. أما عن ردود الفعل فإنني أحيلك إلى ما جرى بين الشاعرين الحاج وأدونيس: قام أدونيس، عند نشر هذه القصائد، بالتعريف بنا، بوصفنا «موجة جديدة» في الشعر العربي الحديث، وأنه يعتز بهذا النشر بالتالي، فكان أن اعترض الحاج على هذا الكلام في ما يخصني ويخص الشاعر الزميل والصديق الراحل محمد عبدالله، إذ أعلن أنه هو الذي نشر لكلينا قبل أدونيس. كان مثل هذا الجدل -المحدود، في نهاية الممطاف- أعلى تقدير لي ولمحمد، ما زاد من خفتنا ولهونا وعبثنا بأي تكريم، نحن مجموعة الشعراء الأصدقاء في تلك السنوات.
• لماذا انتسبت مبكراً للصحافة؟ ولماذا خرجت منها؟
•• أنا لم أنتسب إليها، بل اقترح علي ذلك أحد الصحفيين الأصدقاء في تجربة صحفية أولى، ثم صديق آخر في تجربة ثانية، ولم أحترف العمل الصحفي إلا في باريس عملياً، إذ بقيت علاقتي بالصحافة قبل ذلك مؤقتة، أو ظرفية.
أما عن العمل في الصحافة في باريس، فلم أجد غيرها ما أقوم به لتحصيل لقمة عيشي، وتفرغي بالتالي للتحصيل الجامعي. إلا أن هذا الاضطرار ولّد عندي شغفاً غير مسبوق تمثّل في إدماني على قراءة جريدتين يومياً بالفرنسية، وغيرهما من مجلات أسبوعية وشهرية. فقد نمَّتْ الصحافة -بعيداً عن تحصيل الرزق- فضولاً متعدد النواحي، لمعرفة العالم، والثقافات، والتيارات، والآداب والفنون. ومن يعد إلى مقالاتي ومقابلاتي سيجد فيها سجلاً واسعاً من الإطلالات والنوافذ المشرعة، ما ربطني بإيقاع الزمن. وعيشي في باريس لمدة 19 عاماً مكَّنني -في ما يتعدى العمل نفسه- من أن أعيد ترتيب نفسي ومعارفي وثقافتي وخياراتي: هكذا تعلمت فيها معنى أن أكون مواطناً متساوي الحقوق والواجبات مع غيري، أيّاً تكن جنسيته ولغته ولون بشرته، وأن أكون شريكاً في محيط شاسع، متسع الحدود، بعيداً عن أي قوقعة، أو أي توهمات وطنية أو قومية.
• ألم تخش أن تستهلك الكتابة الصحفية معجمك القرائي؟
•• بلى، هذا ما عانيتُ منه في أوقات وأزمات، إذ كنت أتحقق، من جهة، أن شعوري بالمواطنية المتساوية، المدعومة بالقوانين، لم يكن متوافقاً مع ما كانت تتيحه «صحافة المهجر»، كما كنا نسميها، إذ كنت أتحقق فيها -ولو في موضوعات الثقافة التي كنت أُعنى بها- من قيود ورقابة ذاتية كان لنا أن نتقيد بها، ولو عن بُعد.
كما عانيتُ من غير ذلك، وأشد منه، وهو أن الصحافة هي ثقافة العابر، ثقافة الشائعة أحياناً، ثقافة «التسريبات»؛ أي ما يتوجب تصحيحه أو استدراكه، من دون أن أقوى بالضرورة على تصحيحه أو تعديله بعد وقت.
مع هذا، لبتْ الصحافة، وما قمتُ به فيها، الكثير من احتياجاتي، وهي ما يفسر ربما تعدد الانشغالات التأليفية التي انتهيت إليها.
• ما مدى رضاك عن نفسك بعد أن درست وتخرجت من جامعة السوربون؟
•• تعلمتُ في جامعة السوربون الجديدة، باريس الثالثة، الكثير، مع أنني لم أتبع سوى دروس ومحاضرات قليلة كانت مطلوبة منا في السنة الأولى في إعداد شهادة الدكتوراه. إلا أن ما طلبته الجامعة في تحصيلي، وفي بناء معارفي، وإعداد مناهج الدرس، دفعني إلى ما هو أوسع وأعمق مما يحتاجه تحصيل الشهادة المرموقة: دفعني خصوصاً، وفي المقام الأول، إلى إعادة النظر في ما تعلمتُه سابقاً من مناهج ومقاربات، وهو ما كانت توفره مكتبات باريس، وعلومها، وجدالاتها، وكتبها، ومؤتمراتها، في نطاق واسع، ما تمثّل في اندفاعات الدرس اللساني الحديث، والمساعي البنيوية وغيرها، ومساعي التجديد عند عدد بالغ من خيرة أساتذتها الجامعيين، من أمثال: ميشال فوكو، وبيار بورديو، وجوليا كريستيفا، وجيرار جينيت، وأ. ج. غريماس، وكلود ليفي-شتراوس، وجاك لاكان، وجان-بيار فاي، وجاك بيرك، ومكسيم رودنسون، ودانييل ريغ، وهنري ميشنيك وغيرهم الكثير. ويمكن أن أضيف إلى هذه القائمة غير النهائية أو التامة أعداداً كثيرة من المبدعين، من كتاب الشعر والرواية وفي إبداعات الفنون وغيرها، الذين تعرفت «بالشخصي» على عدد واسع منهم، فضلاً عن إنتاجاتهم التجديدية خصوصاً.
• بماذا تدين للمفكر محمد أركون عقب دراستك عليه؟
•• أدين له بالكثير، وممتنٌّ له، إذ قاد خطواتي المنهجية الأولى بعد أن اخترتُه مشرفاً على رسالة الدكتوراه.
لم يكن أركون صاحب اختصاص في موضوع الدكتوراه، التي اعتنت بدرس مستويات بناء القصيدة العربية الحديثة، بل كان أستاذ الفكر الإسلامي. غير أن اشتغاله على المناهج الحديثة، وعلى التشدد في القراءة المناسبة للفكر الإسلامي، هو ما جعلني أختاره، وأتبع إرشاداته، ولو في نطاق دراسي غير ما يشتغل فيه. وهو ما امتد في علاقتي به على مدى السنوات التالية، سواء في باريس، أو في لبنان، إذ كنت أعود إلى الاستئناس بآرائه في ما كنت أختاره، مثل موضوع الدكتوراه الثانية، أو في ما أقدم على التوجه البحثي صوبه.
اسمحْ لي أن أبوح بما لم يعد بالسر المكين، وهو أن أركون اقترح علي، بعد تحصيلي شهادة الدكتوراه في صيف سنة 1982، تدريس أحد المقررات في الجامعة عينها، وكان رئيس الشعبة المعنية، إلا أنني اعتذرتُ عن قبول العرض السخي فعلاً، إذ كنتُ أخاف -حينها- مما سيستدعيه السلك الجامعي من انضباط وقيود ما كنت أطيق تحملها في تلك السنوات. ثم ما لبثت أن انتظمت، بعد سنوات، في التعليم الجامعي، في لبنان هذه المرة، والتقينا فيها غير مرة مع أستاذي أركون.
• كيف ترى تجربة أدونيس؟ وما سر احتفاظها بوهجها إلى اليوم؟
•• لي معرفة واسعة بتجربة أدونيس، إذ درسني في الجامعة، ونشر بعض شعري الأول، وقرأت عدداً واسعاً من أشعاره، كما قرأت جانباً من كتبه، ولا تعدو كونها، في بعضها، محاضراته الجامعية لنا. وإذا أردت أن أكتفي بقول عام في ما أنجز في مسيرته الطويلة، فإنني أستعيره من عنوان إحدى مجموعاته الشعرية: «مفرد في صيغة الجمع»، وقد عايشتُ جوانب من كتابة هذه القصيدة الطويلة في بيروت، عدا درسي النقدي لها. هو فعلاً مفرد في صيغة الجمع، في شعره، وإن تنوع وتعدد هذا الشعر، إذ لم ينفك أدونيس، في شعره الحزبي في بداياته، أو في لاحقه الشعري، من أن يطلب التصدر، والقول ولو بصوت المتكلم عن «مجموع» ما. وهو، في هذا، صانعٌ وشريك وغير بعيد عن شعراء عرب كثر، منذ خمسينيات القرن الماضي، ممن طلبوا التصدر والتكلم باسم «مجموع»، سياسي، أو أيديولوجي وغيره. وهو شعرٌ لا يناسب ما أطلبه، وما يعجبني في الشعر الحديث، الأجنبي أو العربي، أي شعر الانفراد والتفرد، كما أسميه. أما لجهة الفكر، فلأدونيس نظرات ومواقف وآراء نافذة وجريئة وصادمة في بعضها، إلا أنها تصدر عن «مفرد بصيغة الجمع» كذلك، إذ تفتقر، إلى الدقة التاريخية فتأتي في صيغِ أحكامٍ مبرمة، من جهة، وهي تتعين في نظر اجتزائي وتنابذي لتاريخ الفكر العربي القديم، إذ ينتخب جانباً من هذا الفكر، ويتبع، مثل عدد غيره، «العودة إلى سلفٍ صالح»، من جهة ثانية.
أما لجهة «الوهج» الذي تتحدث عنه، فهذا لا يُقاس؛ لأنه يعود إلى التلقي والاختلافات والتباينات فيه، بين استحسانٍ وغيره.
• ما حال الشعر العربي اليوم؟ وما مدى رضاك عنه؟
•• حال الشعر العربي متعدد ومختلف، وهو دليل تجدد وغنى. وأنا لست في موقع من يرضى ولا يرضى به، وأنا لا أسمح لنفسي بإبداء حكم مثل هذا.
ما يعنيني قوله، هو أنني أتابع -ما أمكنني- من جديد في هذا الشعر، وفي درسه. وما يؤسفني في حاله، لا ينسجم مع ما يُقال عن تقدمِ الرواية عليه، إذ إنه حُكمٌ سقيم، ومقارنة غير مناسبة. فما يؤسفني فعلاً هو ضعفُ، وتراجعُ، الدراسات الخاصة بالشعر.
هذا ما تحققتُ منه بنفسي إذ طلبتْ مني جامعة سعودية، قبل سنوات تحديداً، أن أفحص حال المقروئية للشعر العربي في سنوات بعينها، وفي دول عربية محددة، فأتى حاصل التفقد والفحص ليكشف هذا الحاصل المؤسف. هذا لا يضير الشعر وحده، بل يضير سياسات البحوث في الجامعات وخارجها. فدرسُ الشعر -مهما قيل في غيره من دراسات الأدب- يبقى النموذج الأصح لفحص مناهج درس الأدب، بل لفحص اللغة نفسها.
• وماذا عن شعرك، وهو الأوسع في نتاجك الكتابي؟
•• تصدر قريباً مجموعتي الشعرية الثامنة عشرة، فضلاً عن مختارات وترجمات عديدة في أكثر من لغة، وفي أكثر من كتاب. هذا يعني، في سيرتي الكتابية التي تعدت التسعين كتاباً، أن الشعر يبقى الأقرب والأصعب في ما طلبتُه من الأدب. وهو يُشكل، بالنسبة لي، فرصةَ وجودٍ، لا أجدها في كتبي الأخرى، إذ إنني، في القصيدة نفسها، أجدُني، بل أكتشفُني فيما أقرأني. وفيها، أُقبلُ على ما لا أعرفه، إذ القصيدة عندي ليست مرآة، ولا بوحاً، بل هي استقبالُ غامضٌ لما هو محمولٌ في هواء النَّفَس. فالقصيدة، عندي، لا تعيش إلا في شغفِ المراودة، بل المشاغلة، إذ تستفيق الألفاظ، في القصيدة، من سباتها، وكما يحلو لها.
فرصة الوجود هذه، هي فرصة مزيدة على الحياة نفسها، على معهود الكتابة نفسها، فكيف أنقطع عنها!
• مشروعك الكتابي ينفتح باستمرار على فضاءات متعددة، بين اللغة والتاريخ والفلسفة والفنون، فما قنطرة هذه الإسهامات المتوالية؟
•• للإجابة عن هذا السؤال، أحتاج إلى عروض صعبة في حدود مقابلة صحفية. سأكتفي بالحديث عن جوانب محددة في البحوث المتنوعة والمتعددة التي أقدمتُ عليها. أول هذه الجوانب هو المنهج، وهو ما عملتُ عليه طوال سنوات، وتوصلتُ، بعد الاطلاع على مناهج ومقاربات متبعة، إلى بلورته وتعريفه، وإلى تعيينِ سبلٍ تحليلية وإجرائية له. ثاني هذه الجوانب، هو أنني عملتُ، في العدد الأوسع من بحوثي، على تاريخ الثقافة العربية الحديثة وإنتاجاتها، وهو ما وجدتُه ممكناً بالعودة إلى ثلاث مدونات؛ المدونة المحلية، بالطبع، والمدونة الأوروبية أي المتأخرة، والمدونة العثمانية. فمن خلال هذه البوابات الثلاث نستطيع أن ندخل إلى عتبات التجديد والتحديث في العربية. وهو ما اقتضى مني قراءات متوسعة وتفكرية في هذه المدونات المذكورة، وإلى استبيان تعالقاتها فيما بينها، بالتوافق أو التعارض مع المحددات الدينية والاجتماعية المحلية.
• ما أثر الجوائز على نفس شربل داغر وإنتاجه؟
•• الأثر يخف، وإن تزيد قيمته جائزة تلو جائزة. وقعَت بين يدي، قبل أيام، ورقة كرتونية سميكة كُتب عليها أنها جائزة إلقاء الشعر في العام 1970، وتذكرت أنني فزتُ بهذه الجائزة على مستوى لبنان، وأنني فزت بغيرها قبل سنوات على ذلك.
يسعدني، بالطبع، في عديد هذه الجوائز، أنني فزتُ بعددٍ لافتٍ من الجوائز العربية والعالمية في مسابقات، وأن هذه الجوائز أصابت أصنافاً مختلفة من كتبي: جائزة في النقد، وأخرى في السرد، وثالثة في الشعر، ورابعة أخيرة (نابغة العرب في الأدب والفنون) عن إجمالي الإنتاج. إلا أن الأثر يخفُّ -بكل بساطة- مع العمر، إذ إنني أنشغل بصورة قد تفاجئ البعض بما أشتغل عليه، بما أتوق إلى كتابته، بعد أن أصبحتُ فيه، لا خارجه. يُضاف إلى هذا أن القيمة المالية العالية للجوائز لا أستفيد منها تماماً منذ وضع اليد على المصارف في عام 2019، فهي أموال محتجزة في المصارف اللبنانية من دون استرداد سوى مئات الدولارات منها شهراً بعد شهر.
• هل تبادلت عواصم الثقافة العربية مواقعها؟
•• ليس هناك من مقاييس، ولا أرقام، لإبداء رأي في هذا الأمر. ما يمكن التحقق منه- ولو بنسب قليلة– هو انتعاش حال الكتاب في بلدان، وتراجعه في غيرها. وما يخفف من هذه الحيوية، ويحدها، هو أن انتشار الكتاب بات مرتبطاً بمعارض الكتاب، وليس بنشاط المكتبات. أما عن الحيوية الثقافية فهي متروكة للسياسات، وهي متقلبة ومتغيرة، ولا تقوم بالتالي على ثبات وتراكم.
• ما الذي يمكن أن يُسهم في تقلّد العرب مهمّة إنتاج الأفكار لا استهلاكها فقط، أو إعادة انتاجها؟
•• هذا سؤال مهم وصعب، ويحتاج إلى عرض وأحكام كثيرة. لنا -بكل بساطة، وباختصار- أن ننمي مناخات وشروط الفكر والبحث، لا سيما في الجامعات ومراكز البحوث والتعليم عموماً. وهو ما لا يتم من دون التنمية المالية، وحرية البحث، والانفتاح والتفاعل مع المناهج واللغات والثقافات في العالم. وهذا يحتاج، قبل ذلك، إلى التوقف عن طرح السؤال بل الشعار: متى يكون لنا مناهج مستقلة عن المناهج الغربية، خاصة بنا؟ العلم، والعلوم الإنسانية، هي علوم متاحة، وصالحة للجميع، ولو أن العلوم الإنسانية جرى تطبيقها، في عدد كبير من أحوالها ونماذجها، على الآداب والمجتمعات الغربية. علينا -بدل التلهي بشعارات «شعبوية» في الواقع- أن نتعلم هذه المناهج، وأن نحسن التحليل بها، قبل الحديث عن «استبدالها» بما لم تقم له قائمة في التفكير العربي منذ قرون. سأكتفي بقول أخير: إدوار سعيد هو أبلغُ مثال على ما أقول: كيف أجرى نقداً للخطاب الاستشراقي؟ أبالاعتماد على مناهج عربية أم إسلامية أم غربية؟ الجواب معروف.
• من الذي يغريك سعودياً لقراءته. وهل كتبت عن التجارب الحديثة؟
•• تعرفتُ كما قرأتُ واطلعتُ وكتبتُ عن عدد من التجارب الإبداعية، سواء في الشعر والرواية والنقد، أو في الفنون التشكيلية. كما سبق لي، في جامعة السوربون، أن درست مع بعضهم، مع البروفسور أركون وغيره. كما تفاعلتُ -ولا أزال- مع عدد من الشعراء، المتقاربين جيلياً. كما كانت لي متابعات، وكتابات، شملت عدداً من رواد الفن الحديث في المملكة، وهو ما استكملته في السنة المنصرمة، إذ تمّت استشارتي في مشروع طموح وثمين يخص «بدايات» التشكيل فيها. إلا أن هذا لا يكفي بالطبع، ما يبقى مرهوناً بقادم الحيوية الثقافية.
• كيف تفاديت الصدامات مع النخب؟ وكيف تنجو منها إن هي وقعت؟
•• أنا لا أتفاداها، حين تقع في مجال الفكر والرأي والحكم وغيرها، أما المناكفات والمهاترات فقد تجنبتها منذ عهد بعيد بعدم الرد، بكل بساطة.

