عند أحد مداخل مدينة بوشكين، في ضواحي سان بطرسبورغ، يقف معلم معماري يبدو للوهلة الأولى وكأنه انتقل من أرض الفراعنة إلى روسيا. إنها (البوابات المصرية)، الواقعة عند مدخل حديقة ألكسندر في مجمع (تسارسكوي سيلو) الإمبراطوري السابق، فما الذي جاء بها إلى هناك؟
بوابة فرعونية عند القصور
شُيدت البوابة بين عامي 1827 و1830 على يد المعماري الاسكتلندي آدم مينيلاس، الذي عمل في روسيا وشارك في تنفيذ عدد من المنشآت في تسارسكوي سيلو. وكان الإمبراطور نيقولاي الأول قد أقرّ مشروعها في ديسمبر 1826، لتُعرف في بداياتها باسم (البوابات الكوزمينية)؛ نسبة إلى الطريق القادم من قرية كوزمينو.
لكن اختيار المظهر المصري لم يكن مجرد قرار جمالي عابر. فقد شهدت أوروبا، خلال القرن التاسع عشر، موجة واسعة من الاهتمام بالحضارة المصرية القديمة، خصوصًا بعد الحملة الفرنسية على مصر، التي ساهمت في لفت أنظار الفنانين والمهندسين والباحثين إلى آثارها وفنونها.
وصل هذا التأثير إلى روسيا أيضًا، فظهرت مبانٍ ومنشآت استلهمت عناصر من العمارة المصرية؛ من بينها أبو الهول والزخارف الفرعونية والتكوينات المعمارية ذات الطابع المصري. وفي تسارسكوي سيلو تحديدًا، تداخلت اتجاهات معمارية متعددة، فإلى جانب التأثير المصري ظهرت مبانٍ مستوحاة من الطرز الكلاسيكية والقوطية والصينية وغيرها.
نابليون وراء الحكاية المصرية
وتحمل البوابة كذلك صدى تاريخيًا غير مباشر، إذ ارتبط عهد ألكسندر الأول، شقيق نيقولاي الأول، بالحرب التي خاضتها روسيا ضد نابليون وانتهت بانتصار الروس عام 1812. وكان نابليون قد قاد قبل ذلك بسنوات حملته على مصر، في حدث ترك أثرًا واسعًا على الاهتمام الأوروبي بآثار الحضارة المصرية.
وتتألف البوابة من برجين ضخمين شُيدا من الآجر، ثم غُطيت واجهاتهما بألواحٍ من الحديد الزهر تحمل زخارف مستوحاة من الفن المصري القديم. وتضم تلك الزخارف مشاهد وشخصيات ورموزًا مرتبطة بالحياة والمعتقدات المصرية القديمة، بما فيها تصورات العالم الآخر والآلهة في الميثولوجيا المصرية.
ولم تُبتكر هذه التفاصيل من الخيال وحده، بل استند تصميمها إلى رسوم ودراسات أوروبية وثقت آثار مصر القديمة؛ ومن بينها الأعمال التي أعدها الفنانون والعلماء المشاركون في الحملة الفرنسية، والتي جُمعت لاحقًا ضمن المؤلفات الضخمة التي وثقت آثار مصر وطبيعتها وحضارتها.
بوابة للحراسة وذاكرة الحرب
ورغم مظهرها الزخرفي اللافت، لم تكن البوابة مجرد تحفة للعرض، فقد احتوى البرجان على غرف مخصصة للحراسة، بينما أُغلقت المنطقة الواقعة بينهما ببوابات وسياج حديدي، لتجمع المنشأة بين الوظيفة الأمنية والطابع المعماري الاستثنائي.
وخلال الحرب العالمية الثانية، تعرّض مجمع تسارسكوي سيلو لأضرار جسيمة أثناء الاحتلال الألماني، ولم تنجُ البوابات المصرية من آثار الحرب، إذ لحقت بها أضرار كبيرة، لكنها بقيت قائمة ولم تختفِ من المشهد.
وبعد انتهاء الحرب، خضعت البوابة لأعمال ترميم، وظلت في مرحلة من تاريخها مطلية بالأخضر الداكن، قبل أن يعود إليها لاحقًا اللون الرملي الفاتح الذي يعزز مظهرها المستوحى من العمارة المصرية.
وفي عام 2004، اكتملت عملية ترميم واسعة هدفت إلى إعادة تفاصيلها التاريخية، لتواصل (البوابات المصرية) حضورها اليوم كواحدة من أبرز معالم مدينة بوشكين، وكأنها قطعة من ذاكرة مصر القديمة استقرت، على نحو غير متوقع، عند أبواب القصور الإمبراطورية الروسية.


