لا خلاف على ما تخلّفه الحروب من أزمات، وما تتركه في الروح من ندوب عصيّة على المحو والنسيان، إلا أن حضور بعض البلدان المنكوبة على منصات الأخبار على مدار الساعة، يدفع قُرّاء إلى البحث عن آداب وتاريخ وكُتّاب هذه الدول، خصوصاً أعمال الأدباء المعنيين بتوثيق الوجع، وهنا مساحة للوقوف مع كُتّاب ونقّاد على أعمال انتصرت للشعوب، بتوثيقها وجعها، وتحويل كوارثها إلى ثيمات..

يؤكد الروائي علي المقري، أن هناك أدباً يُنتج أثناء الحروب ومن المهم قراءته بتمهّل وتفحّص، ودون ترديد المقولات الجاهزة التي ترى أن من الضروري مرور وقت على الحرب لتكتمل الفكرة أو تتخمّر، لافتاً إلى حضور كتابات إنسانية حيّة تُنجز أثناء الحدث، أو الحرب، وتظهر بأسلوب اليوميات، أو بشكل مشاهد واقعية، أو سرد لأحداث ومآسٍ من زاوية فنية. ويرى أن من حق الكاتب في كتابة ما يشاء وقت ما شاء، ما دامت لديه القدرة على ذلك، لأن الحروب ومعاناتها -في كثير من الأحيان- تصبح خانقة للإبداع وليست خالقة له، كما يُقال.

وأضاف المقري، يبدو لي أن من الصعب أن يظل الكاتب أمام الورق أو شاشة الكمبيوتر، فيما أصوات الصواريخ والمدافع تخترق سمعه أو تهزّ بيته، إلى جانب المعاناة اليومية جراء هذه الحروب، من انقطاع الكهرباء والماء إلى انعدام مصادر العيش اليومية، موضحاً أنه عاش كل ذلك عندما بدأت الحرب في اليمن، وأدرك ماذا يعني الإحساس بالعدم أو بجدوى اللاشيء في وقت تكون على بُعد مسافة صغيرة من الموت.

وعدد المقري أنواعاً من أدب الحرب، منها ما يشبه الصرخة، ويُكتب أثناء الحروب، ويتشكل أحياناً وكأنه هتاف أو ملصق فنّي لا يتجاوز زمنه في البقاء، ومنها أدب أو فن، يتجاوز زمنه العابر أو حال الانفعال الناتج عن الحدث المباشر، ويذهب لامتحان إشكالية الحرب من جوانب عدة، سواء في تصوير فظائعها، أو في تفكيك خطابها السلطوي القائم على التبرير والادعاء والدعاية، وهذا النوع من الأدب والفن عادة ما يظل في ذاكرة القراء والمشاهدين زمناً طويلاً، ويمكن اختبار حضوره مع أي حرب جديدة.

وثمّن ما أنجزه تولستوي وريلكه وغابرييل غارسيا ماركيز وإرنست همينغواي وسفيتلانا أليكسييفيتش، وقصائد محمود درويش، ولوحات غويا وبيكاسو وسلفادور دالي، مما لا نزال نقرأه ونشاهده وتتملكنا الدهشة.

فيما أوضح أمين عام جائزة الطيب صالح، الناقد مجذوب عيدروس أنه منذ أن كتب تولستوي عمله الخالد «الحرب والسلام» وسجل همينغواى تجربته في الحرب الأهلية الإسبانية، وكذلك تجارب الحرب في العراق وفلسطين وسورية، فإن التعبير عن الحرب ومآسيها لم يتوقف.

ولفت إلى أن السودان لم يكن استثناء، إذ دوّن بعض كُتّابه أعمالاً تتأرجح بين المنجز الروائي والقصصي والمذكرات عن أهوال الحرب وما فيها من قسوة وتوحّش، إضافة إلى ما أبرزته في جانب آخر من قيم التكافل والتضامن، مشيراً إلى أنه أتيح له الاطلاع على كتابات معبرة عن الحدث الأكثر مأساوية في تاريخ السودان الحديث، مضيفاً: ليس من قبيل المبالغة القول إنه ليس هناك من لم يحترق بنار الحرب من الكُتّاب والقراء وأفراد الشعب، وستكون الحرب نقطة انطلاق جديدة في مسار الحياة السودانية والإبداع الأدبي.

ويرى الكاتب محمد الخير حامد أن الحروب والأزمات تلفت الأنظار إلى إبداعات الشعوب، وتعطيها صوتاً عالياً لم تكن تمتلكه في الأحوال العادية. وعدّ الانتكاسات والوقائع السوداء رافعة للإبداع ليصل إلى جمهور أكبر، كون الإبداع والأدب يوثق الأحداث، ويفضح الواقع المؤلم ويكشف المجتمع، ويسجل الجرائم، مشيراً إلى أن النكبات تخلق داعي الكتابة، والإنجاز، والإنتاج في المبدعين، وتصنع المحفزات للجميع، بل وربما تمنح صفة الإبداع لمن لم يُعرف عنه الإبداع من قبل، مؤكداً أن الكارثة تغدو «ثيمةً إبداعية»، ومعروف أن المصيبة والفاجعة بطبعها تدر التعاطف وتجلب التقارب والاحتواء، وتترجم نفسها بنفسها، وبالتالي فهي تلفت الأنظار، وتحوّل المحلي إلى عالمي وإنساني.

وأضاف: ربما تكون سبباً في الحصول على جوائز عالمية مثل رواية «الحرب لم تنتهِ» لسفيتلانا أليكسيفيتش لم تفز بنوبل إلّا نتيجة لما سبق، وتشيماماندا أديشي حصلت على جائزة «أورانج» بعملها المؤثر «نصف شمس صفراء» وتُرجمت الرواية إلى لغات عدة، ومريد البرغوثي حازت روايته «رأيت رام الله» على جائزة نجيب محفوظ، لافتاً إلى أن الأعمال السابقة وغيرها لم تفز بالجوائز لأنها جسّدت الفظائع فقط، وإنما للأدبيّة والفنيّة المتحققة فيها، مع اختيارها موضوعات مؤثرة.

وعدّ من آثار أدب الحروب، ترسيخ الصورة المشوّهة والقاتمة في أذهان المتلقين، فيصبح بلد ما مثلاً صورة للتخلّف والاقتتال، ونموذجاً للفشل والتشظي، ويتجسد فضاءً للمجاعات، وبؤرةً للاحتراب والصراعات، مضيفاً: الحرب تلفت الأنظار، إلا أن الإبداع الفني هو الذي يرسّخ المعاني، ويوثق اللحظة والحالة، ويصنع المجد والخلود، والفنون هي التي تكسِب الأشياء واللحظات ديمومتها وتزينها وتقلّدها تميمة البقاء.

وذهبت الكاتبة سلمى المنفي إلى أن الحروب والأزمات سلاح ذو حدين؛ من جهة تشغل وسائل الإعلام بأخبار الدمار وإحصاء عدد الضحايا، ومن أخرى تسلط الضوء على تاريخ الشعوب وتراثها، مؤكدةً أن عديد المبادرات الدولية والفعاليات التي تنظمها منظمات الشباب تهتم باكتشاف الهوية المتنوعة الغائبة عن أنظار الكثير من العالم.

وتطلعت إلى أن تكون شعلة الإبداع إنارة بالفن والسرد والشعر، ممزوجة بأدوات عصرية، لتنبت شجرة الأمل من بين أنقاض الحروب.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version