كشفت تحقيقات صحيفة “لوموند” الفرنسية تفاصيل برنامج روسي يحمل اسماً تجارياً براقاً هو “ألابوغا ستارت”، يوهم شابات من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية بفرص عمل واعدة في روسيا، قبل أن يجد بعضهن أنفسهن في منشآت تسهم في إنتاج طائرات مسيّرة تستخدمها موسكو في حربها على أوكرانيا.
اعلان
اعلان
ويستهدف البرنامج شابات بين 18 و22 عاماً من 77 دولة في أفريقيا وآسيا، فيما بدأ توسيع تجنيده ليشمل أميركا اللاتينية منذ يونيو/حزيران 2024 على الأقل، ولا سيما خلال 2025.
وتكتفي المتقدمة، وفق شروطه الأولية، بتسجيل فيديو تعريفي، وامتلاك جواز سفر ساري المفعول، وحفظ 100 كلمة باللغة الروسية.
ويعرّف “ألابوغا ستارت” نفسه بأنه مشروع لـ”إعادة التوطين في روسيا”، ويعرض التدريب والعمل في سبعة مجالات، بينها الفندقة وقيادة المركبات والخدمات اللوجستية.
لكن “لوموند” تكشف أن الوجهة الفعلية لبعض المشاركات تقود إلى مدينة يلابوغا في جمهورية تتارستان، على بعد نحو ألف كيلومتر شرق موسكو، حيث يعملن في تجميع مسيّرات تستخدمها روسيا ضد أوكرانيا.
وظائف تخفي صناعة المسيّرات
وتحولت المنطقة الاقتصادية الخاصة “ألابوغا” منذ 2022 إلى المركز الرئيسي في روسيا لإنتاج المسيّرات من طراز “شاهد”، فيما تسارعت وتيرة الإنتاج منذ 2024 رغم نقص العمالة المحلية والعقوبات الغربية.
وتنتج هذه الطائرات بموجب ترخيص إيراني، وتطلق روسيا على النسخ التي تنتجها اسمي “غيران-2″ و”غيران-3”.
وتشير “لوموند” إلى أن نقص العمالة دفع المنطقة إلى الاعتماد على الاستقدام من الخارج، بينما لا تزال البيانات المتاحة علناً غير كافية لتحديد حجم عمليات التجنيد في أميركا اللاتينية بدقة.
وبدأت أفريقيا تمثل نقطة الانطلاق الأساسية للحملة، إذ أفادت صحيفة “ذا ريبورتر” الإثيوبية بأن نحو 200 امرأة من دول أفريقية مختلفة التحقن بالبرنامج منذ 2022. ثم وسعت موسكو الاستقطاب إلى 13 دولة في أميركا اللاتينية، مستخدمة حملات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومحتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي، وشراكات مع مؤثرين محليين.
موسكو توسع شبكة الاستقطاب
وتكشف الصحيفة الفرنسية أن موسكو لم تكتفِ بالترويج المباشر لـ”ألابوغا ستارت”، بل بنت حول البرنامج شبكة من الحضور الإعلامي والتسويقي المحلي، تبدو مهمتها توسيع دائرة الوصول إلى الشابات ومنح مشروع التجنيد الروسي واجهة أكثر جاذبية وشرعية في بلدان بعيدة عن روسيا.
فقد ظهر شعار البرنامج على قميص نادي “إل ناسيونال” الإكوادوري في 2025، وهو أحد أكبر أربعة أندية كرة القدم في البلاد، بينما أبرم في المكسيك شراكة مع بلدية أباسولو، التي يبلغ عدد سكانها نحو 10 آلاف نسمة.
وتعزز هذا الحضور بزيارة أربعة مؤثرين كولومبيين المنطقة الاقتصادية الخاصة في صيف 2024، قبل عودتهم إلى بلادهم للترويج لها، فيما يوثق الموقع الرسمي للبرنامج زيارات وفود من أفريقيا وأميركا.
ويشير هذا التنوع في أدوات الترويج، من الرياضة والمؤثرين إلى العلاقات المحلية والرسمية، إلى محاولة تحويل التجنيد من إعلان عن وظائف في روسيا إلى حملة تسويقية أوسع تستهدف بناء الثقة والوصول إلى جمهور جديد.
وتأخذ الحملة بعداً رسمياً أيضاً، إذ ناقش السفير المكسيكي لدى موسكو إدواردو فيليغاس ميخياس “تطوير عمليات التجنيد” خلال زيارته المنطقة في الثالث من يوليو/تموز، وحدد مناطق في جنوب المكسيك كمصدر واعد للمشاركات، وفق ما أعلنه البرنامج. وجاءت الزيارة بعد استقبال المنطقة وفداً فنزويلياً في الأول من مايو/أيار.
وترى الباحثة السياسية ماري ميندراس، مؤلفة كتاب “الحرب الدائمة.. الاستراتيجية الأخيرة للكرملين”، أن هذا الاستقطاب الخارجي يأتي في سياق حرب تستنزف القدرات الروسية.
وعود براقة وشهادات صادمة
ويعرض البرنامج عقوداً تمتد لعامين على الأقل، مع وعود بـ”الاستقرار وضمانات الحماية الاجتماعية، وراتب رسمي وثقة بالمستقبل” وفقاً لصحيفة “لوموند”.
وتبدأ الرواتب بأكثر من 500 دولار شهرياً، بينما تبلغ كلفة الإقامة في نزل الشباب نحو 40 دولاراً، ويتكفل البرنامج بتذكرة السفر إلى موسكو.
لكن شهادات مجندات أفريقيات على شبكات التواصل الاجتماعي، بحسب “لوموند”، ترسم صورة مختلفة، إذ تحدثت المشاركات عن ساعات عمل شاقة، والتعرض لمواد كيميائية خطرة، وقيود على حرية الحركة، بل واتهامات بالاستغلال ومصادرة جوازات السفر عند محاولة المغادرة.
ودفعت هذه الشهادات وكالة أسوشيتد برس إلى نشر تحقيق في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قالت فيه إحدى العاملات إنها تعرضت لسوء معاملة قاسية وإنها “اختُزلت إلى عبدة”.
وبعد كشف هذه الممارسات، حُذفت حسابات “ألابوغا ستارت” على منصات ميتا وتيك توك وغوغل، ما أضعف قدرة البرنامج على الترويج في أميركا اللاتينية.
عمالة منخفضة الكلفة
ونشرت “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مؤسسة بحثية أميركية ذات توجه محافظ، في الأول من يناير/كانون الثاني 2026 تقريراً اتهم البرنامج باستخدام “عمالة منخفضة التكلفة تدعم إنتاج المسيّرات الروسية من خلال استغلالها”.
وسلط التقرير الضوء على المراقبة المستمرة للعاملات، وخطورة ظروف العمل، وعدم الوفاء ببعض وعود الأجور، فضلاً عن مصادرة جوازات السفر عند محاولة بعض العاملات الهرب.
وكشف التقرير ارتفاع عدد مساكن العمال في يلابوغا من 15 إلى 104 خلال عام ونصف، بطاقة استيعابية تصل إلى 40 ألف شخص.
ويعطي هذا التوسع في البنية المخصصة لاستقبال العمال مؤشراً إلى أن موسكو لا تتعامل مع التجنيد الخارجي كحل مؤقت لنقص العمالة، بل تبني قدرة استيعاب تتناسب مع احتمال اتساع نطاق الاستقدام خلال المرحلة المقبلة.
ولا تقف استراتيجية موسكو في أميركا اللاتينية عند توفير العمالة الصناعية، إذ تمتد إلى استقطاب مقاتلين للانضمام إلى حربها في أوكرانيا.
وخلال 2026، أُرسل أكثر من 5 آلاف كوبي للقتال على جبهة دونباس، بما يعكس اتساع نطاق الاعتماد الروسي على الموارد البشرية القادمة من خارج البلاد، من خطوط إنتاج المسيّرات إلى ساحات القتال.
نفوذ روسي قديم
ويرى خبراء أن التوسع يعكس قدرة الدعاية الروسية على الوصول إلى شرائح واسعة في أميركا اللاتينية، حيث لا تزال موسكو تحظى بجاذبية سياسية لدى قطاعات من المجتمعات المحلية.
ويقول دوغلاس فرح، رئيس شركة “آي بي آي كونسلتنتس” المتخصصة في قضايا الأمن بأميركا اللاتينية، إن نجاح “ألابوغا ستارت” في استقطاب العمال على بعد آلاف الكيلومترات من روسيا يكشف عن “قدرة واسعة على نشر النفوذ الأيديولوجي”، تمتد إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار.
ويستند هذا النفوذ إلى شبكات روسية تعود إلى الحرب الباردة، فيما يعتقد فرح أن الكرملين ينظر إلى دول كانت ضمن مجال نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق باعتبارها جزءاً من “الخارج القريب” الذي يحق له التأثير فيه والسيطرة عليه.
ويربط الباحث تحرك موسكو في أميركا اللاتينية بمواجهة الولايات المتحدة، كما يربط تصاعد التضليل الروسي في المنطقة بالحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى زخمه منذ 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم. وأطلقت “سبوتنيك” و”روسيا اليوم” (RT) في العام نفسه نسخاً باللغة الإسبانية وافتتحتا مكاتب في دول أميركا اللاتينية.
وتجمع شبكة النفوذ الروسية بين وسائل الإعلام وصناع المحتوى والعملاء المحليين، لكن قدرة موسكو على تحويل القارة إلى قاعدة مستدامة لتجنيد العمالة تبقى موضع شك.
وتستبعد ماري ميندراس هذا الاحتمال، معتبرة أن روسيا لم تعد قوة عظمى وأنها تحاول الحفاظ على نفوذها عبر هذه العمليات، وتخلص إلى أن “التدخل هو سلاح الفقير بالنسبة إلى قوة آخذة في التراجع”.

